مصطفى صادق الرافعي

102

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ذلك حتى خالف بعضهم بعضا بمقدار ما يختلفون في الذكاء وبعد النظر ، فتفرقوا عشر فرق ، واختلفت بهذا آراؤهم في وجه إعجاز القرآن اختلافا يقوم بعضه على بعض ، فيبدأ فارغا وينتهي كما بدأ وإن كثر في ذات نفسه . فذهب شيطان المتكلمين أبو إسحاق إبراهيم النّظام إلى أن الإعجاز كان بالصّرفة ، وهي أن اللّه صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها فكان هذا الصّرف خارقا للمادة . قلنا وكأنه من هذا القبيل هو المعجزة لا القرآن . وهذا الذي يروونه عنه أحد شطرين من رأيه ؛ أما الشطر الآخر فهو الإعجاز إنما كان من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية . وقال المرتضى من الشيعة : بل معنى الصرفة أن اللّه سلبهم العلوم . . التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن . فكأنه يقول إنهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب ولا يستطيعون ما وراء ذلك مما لبسته ألفاظ القرآن من المعاني ؛ إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم ، وهذا رأي بيّن الخلط كما ترى . غير أن النّظام هو الذي بالغ في القول بالصرفة حتى عرفت به ، وكان هذا الرجل من شياطين أهل الكلام ، على بلاغة ولسن وحسن تصرف ، بيد أنه شب في ناشئة الفتنة الكلامية ، فلم ينتفع بيقين . وقال فيه الجاحظ وهو تلميذه وصاحبه وأخبر الناس به : « إنما كان عيبه الذي لا يفارقه ، سوء ظنه وجودة قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله ، فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي قاس عليه ، كان أمره على الخلاف . ولكنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه وينسى أن بدء أمره كان ظنا ، فإذا أتقن ذلك وأيقن ، جزم عليه ، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه ؛ ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت ، وكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع أنه إنما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه ، أو عن معاينة قد بهرته » ا ه - . قلنا : وهذا بعض ما ذهب بفضل بلاغته ، وغطى على أثره ، ونقض أمره عروة عروة ، وجعله في أكثر آرائه بعيدا عما هو من غايته ، مدفعا إلى ما ينزل عن حقه ؛ حتى جاء رأيه الذي علمت في مذهب الصرفة دون قدره بل دون علمه ، بل دون لسانه ، وهو عندنا رأي لو قال به صبية المكاتب وكانوا هم الذين افتتحوه وابتدعوه ، لكان ذلك مذهبا من تخاليطهم في بعض ما يحاولونه إذا عمدوا إلى القول فيما لا يعرفون ليوهموا أنهم قد عرفوا ! . وإلا فإن من سلب القدرة على شيء بانصراف وهمه عنه ، وهو بعد قادر عليه مقرن له ، لا يكون تعجيزه بذلك في البرهان إلا كعجزه هو عن البرهان ، إذ كان لم